رجال في الظل صنعوا مصير أمة



قصة الضباط الأحرار: حين قرر الجيش أن يقول لا


في أربعينيات القرن الماضي، كانت مصر ترزح تحت الاحتلال البريطاني، والملك فاروق يحكم البلاد في ظل فساد إداري، وتدهور اقتصادي، وكرامة وطنية مهدورة.


في قلب هذا الظلام، وُلد أمل جديد داخل صفوف الجيش. مجموعة من الضباط الشباب اجتمعوا على حلم مشترك: تحرير الوطن، وإنهاء الحكم الملكي، وبناء دولة عادلة.


هؤلاء هم من عُرفوا لاحقًا باسم "الضباط الأحرار".

كانوا من طبقات متوسطة، عاشوا معاناة الشعب، ورأوا بعينهم كيف كانت مصر تُنهب، وجنودها يُهانون.


في 23 يوليو 1952، تحركت المجموعة بقيادة محمد نجيب وبدعم من ضباط آخرين مثل جمال عبد الناصر وأنور السادات.

نجحت الحركة دون إراقة دماء تُذكر، وفرض الجيش إرادته، وأجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش ومغادرة البلاد.


لم يكن الهدف مجرد تغيير حاكم، بل بناء جمهورية مصرية مستقلة، تُحكم باسم الشعب لا باسم التاج.


بعد الثورة:


أُعلنت الجمهورية سنة 1953.


تولى محمد نجيب أول رئاسة للجمهورية، ثم خلفه جمال عبد الناصر.


بدأت مشاريع قومية كبرى، مثل تأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، وحركات الإصلاح الزراعي.



ورغم التحديات والانقسامات التي مرّ بها الضباط الأحرار لاحقًا، تبقى حركتهم لحظة فاصلة في تاريخ مصر الحديث، حين قرر شباب الجيش أن ينحازوا للوطن لا للسلطة.



---


"الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع"

وهكذا فعل الضباط الأحرار 

بعد وفاة جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، ظن الكثيرون أن صفحة الضباط الأحرار قد طُويت، لكن الحقيقة أن واحدًا منهم كان ينتظر دوره... إنه أنور السادات.


رغم أن البعض اعتبره مجرد "رجل ظل" في عهد عبد الناصر، إلا أن السادات فاجأ الجميع بعد توليه الرئاسة.


انقلاب السادات على مراكز القوة


بمجرد أن جلس على كرسي الحكم، بدأ السادات أولى خطواته بإقصاء خصومه داخل النظام الناصري، في ما عُرف بـ "ثورة التصحيح" عام 1971.

أطاح بعدد من كبار المسؤولين المعروفين بولائهم لعبد الناصر، وفرض رؤيته الجديدة للدولة.


نقطة التحول: حرب أكتوبر 1973


في 6 أكتوبر 1973، قاد السادات أعظم لحظة في تاريخه، وهي حرب العبور ضد إسرائيل، والتي استعادت لمصر جزءًا من كرامتها وأرضها (سيناء).


أعادت هذه الحرب للسادات شعبية جارفة، وأثبتت أنه قائد حقيقي، وليس مجرد خليفة لعبد الناصر.



التحول الاقتصادي: سياسة الانفتاح


في النصف الثاني من السبعينات، بدأ السادات التحوّل من الاشتراكية التي أرساها عبد الناصر إلى "الانفتاح الاقتصادي"، وهو فتح باب الاستثمارات الأجنبية والقطاع الخاص، وتقليل سيطرة الدولة على الاقتصاد.


لكن هذه السياسة خلقت فجوة طبقية، وارتفاعًا في الأسعار، ما أدى إلى انتفاضة الخبز في يناير 1977، حين خرج الشعب إلى الشوارع احتجاجًا.


معاهدة السلام مع إسرائيل


في عام 1977، قام السادات بزيارة مفاجئة إلى القدس المحتلة، وألقى خطابًا في الكنيست الإسرائيلي.

وفي 1979، وقّع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، برعاية أمريكية، ليصبح أول زعيم عربي يعترف بدولة إسرائيل.


رغم أن هذه الاتفاقية أعادت سيناء كاملة إلى مصر، إلا أنها:


أثارت غضب العالم العربي، وتم تجميد عضوية مصر في الجامعة العربية.


اعتبرها كثيرون خيانة للقضية الفلسطينية.



نهاية السادات


في 6 أكتوبر 1981، وأثناء الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر، تم اغتيال السادات على يد مجموعة متطرفة داخل الجيش، اعتراضًا على معاهدة السلام وسياسات الانفتاح.


وبذلك انتهت صفحة أخرى من صفحات الضباط الأحرار، ولكن إرثهم ظل حاضرًا في كل زاوية من التاريخ المصري.



---


الضباط الأحرار: إرث لا يُنسى


بدأوا كحركة سرية تطمح لتغيير مصير وطن، وانتهى الأمر بأن حكموا مصر لأكثر من نصف قرن، ومرّت البلاد تحت قيادتهم بتغيرات جذرية:


من الملكية إلى الجمهورية


من الاحتلال إلى الاستقلال


من الاشتراكية إلى الانفتاح


من الحرب إلى السلام



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"قناة السويس القديمة والجديدة: قلب التجارة العالمية"

مدينة شاسعة 6500قدم من الاسرارتحت الاهرامات تهز عرش الحضارة المصرية القديمة